ابن الجوزي
234
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
عند زيادة أمره وتعاظم خطبه واتصال فساده ، فنزلوا الأجمة التي يأوى إليها وهي أجمة ذات قصب وماء كثير تمتد خمسة فراسخ ، وفي وسطها تل قد جعله معقلا ومنزلا ، فترتب كل واحد من الاصبهلارية [ 1 ] على باب من أبوابها ، فخرج إليهم البرجمي في ركاء وعلى رأسه غلامه ، وقال لهم : من العجب خروجكم إلي وأنا كل ليلة عندكم ، فإن شئتم أن ترجعوا وأدخل إليكم فعلت ، وإن شئتم أن تدخلوا إليّ فافعلوا ، فذكر أن قوما منهم راسلوه وقووا نفسه ، وأروه أنهم يردون العسكر عنه . وفي جمادى الأولى : كثرت العملات والكبسات ، ووقع القتال في القلائين وعلى القنطرتين ، وعاد الاختلاط ، وطرحت النار فاحترق شيء عظيم وأسواق ومساجد وغيرها ، ووقع النهب في درب عون ، وأخذت أبوابه ودرب القراطيس إلى نهر الدجاج . وفي هذه الأيام : تغيرت قلوب الجند ، فقدم الوزير أبو القاسم فظنوا أن وروده للتعرض بأموالهم ونعمهم ، واستوحشوا وأنكروا ورود الوزير من غير إجماع منهم ولا استقرار قاعدة معهم في أمره ، وأظهر المطالبة بما أخذه الملك من مال بادرويا ، فجاءت منهم جماعة إلى باب دار السلطان وصاحوا وجلبوا وأخذوا دواب من كان هناك ، وانزعج الوزير ومن معه من الأكابر وبادروا الدخول إلى صحن الدار مبادرة ازدحموا فيها ، وانقضى ذلك اليوم واجتمعوا من غد في مسجد القهرمانة وتكلموا في إهمال السلطان لأمورهم وأخذ أموالهم ، وعقدوا آراءهم على مراسلة الملك بتسليمه أقواما من أصحابه وخروجه من بغداد إلى واسط أو البصرة وإقامة أحد أولاده الأصاغر عندهم ، ثم انفصلت طائفة منهم فاجتازوا على دار المملكة ، فإذا باب البستان مفتوح فدخلوا بدوابهم ، فعرف الملك فخرج من دور الحرم إليهم ، فرأوه فتراجعوا قليلا فأطاف بهم غلمان الدار والحواشي ، فأمرهم بالانصراف فتبعه أحد خواصه فضربه بآجرة فرجع ومشى وحده / إلى القوم ، وقال لهم : تعالوا حتى أسمع كلامكم وانظر ما تريدون ، فأحاطوا به وأخذوه وأخرجوه إلى دجلة وهم لا يدرون ما يفعلون ، لأن الَّذي جرى منهم لم يكن على أصل ولا اتفاق ، وإنما كان تخليطا ، وأنزلوه سميرية فلما حصل فيها قال بعضهم
--> [ 1 ] في الأصل : « الاسفسهلارية » . وفي ل : « الإصفهسلارية » .